أحمد مصطفى المراغي
133
تفسير المراغي
تقدرون فيه على إقامة الدين وتحرروا أنفسكم من رق الذل الذي لا يليق بالمؤمن ، ولا هو من خصاله . ( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) أي إن أولئك الذين فصّلت حالهم الفظيعة نسكنهم في الآخرة جهنم لتركهم ما كان مفروضا عليهم ، إذ كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام . ( وَساءَتْ مَصِيراً ) أي وقبحت جهنم مصيرا لهم ، لأن كل ما فيها يسوءهم ، وفي هذا إيماء إلى أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب ، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق اللّه وأدوم على العبادة وجبت عليه الهجرة . أما المقيم في دار الكفر ولا يمنع ولا يؤذى إذ هو عمل بدينه وأقام أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر ، كما هو مشاهد من المسلمين المقيمين في بلاد الإنكليز الآن ، إلى أن الإقامة فيها ربما كانت سببا من أسباب ظهور محاسن الإسلام وإقبال الناس عليه . ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) أي إن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى اللّه ورسوله غير صادقين في اعتذارهم . أما الاستضعاف الحقيقي فهو عذر مقبول كأولئك الشيوخ الضعفاء والعجزة كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام ، والنساء كأم الفضل أم عبد اللّه بن عباس ، والولدان كعبد اللّه المذكور وغيره . ( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) أي إنهم قد ضاقت بهم الحيل فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها ، وعمّيت عليهم الطرق فلم يهتدوا طريقا منها ، إما للعجز كمرض وزمانة ، وإما للفقر ، وإما للجهل بمسالك الأرض ومضايقها بحيث لو خرجوا لهلكوا كما قالوا في أمثالهم « قتلت أرض جاهلها » وقد أثر عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلا ، والمراد بالولدان هنا المراهقون الذين قربوا من البلوغ وعقلوا ما يعقل